مابين التكريم والتجريم..يسرا الباقر تجربة سودانية وتحديات عالمية

مابين التك
مرام معاذ مدني

تحريــر : مرام معاذ مدني

يسرا الباقر، الصحفية السودانية التي  اختيرت وكُرّمت  كأفضل مذيعة تلفزيونية لعام 2026، لم يكن طريقها المهني يوماً مفروشاً بالإشادة فقط، بل كان محفوفاً كذلك بسياط الانتقاد والجدل المهني الحاد.  يُعدّ هذا التناقض بين التكريم الدولي الرفيع وحملات التشكيك العلنية جانباً عميقاً من تعقيدات العمل الصحفي في مناطق النزاع، حيث لا تكفي المهنية وحدها لتحصين الصحفي من الاستهداف، ولا يمنع الاعتراف العالمي من أن يجد الصحفي نفسه في قلب عاصفة من الاتهامات. ومن هنا تتجلّى قصة يسرا ليس فقط كنموذج نجاح، بل كنموذج حيّ لمعاناة الصحفي في بيئات مضطربة، حيث يصبح نقل الحقيقة مهمة محفوفة بالمخاطر على المستويين المهني والشخصي.

الصحافة السودانية ليست استثناءً

       وكذلك هو حال الصحافة في السودان التي لم يوماً مجرد مهنة عابرة بل كانت ولا زالت مسؤولية اخلاقية فهي ليست مجرد كلمات أو تقارير تُبث وحسب، بل شهادةٌ حيةٌ على واقع يُعاش  ومعاناة تُروى وقصص شعب يستحق أن يُسمع ورسالة سامية تنقل صوت المواطنين السودانيين للعالم الخارجي.

نشأة مختلفة

ترعرعت يسرا ودرست في العاصمة السودانيه الخرطوم، ولم تكن الصحافة بعيده عنها اذا كانت تمشي يومياً مسافة خمسة دقائق من مدرستها لمكان عمل والدها في مكتب الجريده ذلك المكان المليء بالحبر والورق والنقاشات والذي وصفته بأنه كان يضجُّ بالحياة. هناك تشكّلت عندها قيمة الخبر وأهمية دور الصحفيّ في المجتمع. كما عبّرت في لقائها على قناه البي بي سي وأعربت عن فخرها بكونها صحفية إذ ترى في هذه المهنه وسيلة حقيقية لإيصال صوت أهل وطنها الى العالم الخارجي. 

نجاح عالمي

أصبحت يسرا من أبرز النماذج الصحفية السودانيّة المشرفة  وواصلت مسيرتها كمراسلة الشؤون الأفريقية لقناة سكاي نيوز الإنجليزية وتمّ تكريمها من قِبَل الحكومة البريطانية كأفضل صحفية تلفزيونية لهذا العام ضمن جوائز الجمعية التلفزيونية الملكية في لندن(RTS).

 لم يكن تكريمها عابراً، بل هو اعترافٌ دوليٌ بجهد صحفية سودانية مهنية وبصوت سوداني استطاع أن يعبر الحدود ليصل إلى العالم الخارجي.

ولم يتوقف قطار التكريم هنا، فقد حصدت يسرا أيضاً جائزة الشجاعة في الصحافة لعام 2026 من مؤسسة (IWMF)، تقديراً لإصرارها على كشف الحقائق رغم الأخطار المحدقة.

هجوم واتهامات 

كان ليسرا  نصيب من تصاعد الأحداث بدولة بوركينا فاسو، تلك الأحداث التى بدأت في أبريل 2026  وخلفت حالة متصاعدة من عدم الاستقرار الأمني مع تعثّر المسارات الانتقالية وتوترات داخلية أمنية واقتصادية شكلت بيئه بالغة الحساسية للعمل الصحفي  وضاعفت من مخاطر الالتباس وصعوبة التحقق الميداني للجميع. 

 وسط هذه الأوضاع المضطربة أعدت المراسلة/ يسرا الباقر تقريراً ميدانياً تتناول فيه الأوضاع داخل البلاد بعد حوار أجرته مع الرئيس ابراهيم تراوري. وما ذكرته يسرا في تقريرها أثار موجه من الاتهامات بعدم الدّقة وادّعاء البعض الآخر أن لقطات التقرير تعود لدول أخرى مجاوره مثل مالي وبنين .

وفي مثل هذه البيئة المتوترة يتحول الجدل المهني لمحاكمه علنيّة في فضاء الرأي العام يواجه فيها الصحفي حملات استهداف شخصيه تتجاوز حدود النقد المهني المشروع.

 وما تواجهه يسرى اليوم ما هو إلّا ثمن باهظ تدفعه مقابل العمل الصحفي في مناطق النزاع، ويظل الجدل الواسع حولها اليوم مثالاً على التعقيدات التي تحيط بالمهنة في البيئات غير المستقرة والحاجه الدائمه للتمييز بين النقد المهني والاستهداف الشخصي مع الحفاظ على معايير الدقه والتحقق في نقل الأخبار.

نموذج مشرف

  رغم كل ذلك فإنَّ يسرا الباقر تمثِّل أملاً جديداً للسودانيين ونموذجاً حيّاً لسيدةٍ سودانيةٍ عملت وثابرت ونجحت في ظل ظروف عصيبة لكن بإرادتها القوية و همّتها العالية استطاعت أن تؤدي عملها بإخلاص وأن توصل رسالتها على أكمل وجه وبتكريمها كُرِّمت معها صوره المرأة السودانية المكافحة وبعثت الأمل والحياة في نفوس شعب كامل أرهقته الحياة و أوجعته الحرب.